الأربعاء، 25 فبراير 2015

علم القافية و حركاتها وعيوبها...



علم القافية



تعريفها لغة:

القافية لغة على وزن فاعلة، من القَفْو وهو الاتباع؛ وإنما قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وسُمي المعنى المراد هنا بذلك؛ لأن الشاعر يقفوه أي يتبعه، فالقافية على هذا بمعنى مقفوة مثل قوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي مرضية، وقيل: لأنه يقفو ما سبق من الأبيات، أو لأنه يقفو آخر كل بيت .

تعريفها اصطلاحا:

القافية في اصطلاح العروضيين عِلمٌ بأصول يُعرف به أحوال أواخر الأبيات الشعرية من حركة وسكون، ولزوم وجواز، وفصيح وقبيح، وهي مع هذا اسم لعدد من الحروف ينتهي بها كل بيت.




- تعريف آخر للقافية 

هي المقاطع الصوتية التي تكون في أواخر ابيات القصيدة أي المقاطع التي يلزم تكرار 
نوعها في كل بيت .


- الحروف التي تشتمل عليها القافية بوضع معين هي ستة : الروي ، الردف ، الدخيل ، 
التأسيس ، الوصل والخَروج .


- إذا بدأ الشاعر القافية بردف في أول بيت عليه أن يلتزم ببقية الأبيات وهي قسمان:

ردف بالألف وردف بالياء والواو .


القافية وحركاتها:

- القافية المقيدة:  هي ما كانت ساكنة الروي سواء كانت مردفة أم خالية من الردف .

- القافية المطلقة : هي ما كانت متحركة الروي وسواء وصلت بهاء الوصل ( ساكنة أم متحركة ) .


- حركات القافية

أولا : المجرى : حركة الروي المطلق كفتحة الميم من صاما أو كسرة اللام من على الجبلِ

ثانيا : النفاذ : حركة هاء الوصل كفتحة الهاء في شعارها الخ

ثالثا : الحذو : حركة الحرف الذي قبل الردف .

رابعا : الإشباع : حركة حرف الدخيل .

خامسا : الدس : حركة ما قبل التأسيس .


سادسا : التوجيه : حركة ما قبل الروي المقيد .



حدودها:

وأما حدودها فقد تعددت الآراء في ذلك، ولعل أقربها إلى الصواب رأي الخليل بن أحمد الذي يقول: «القافية عبارة عن الساكنين اللذين في آخر البيت مع ما بينهما من المتحرك حرفا كان أو أكثر، ومع الحركة التي قبل الساكن الأول». مثال ذلك قول الشاعر:

نَعيب زمانَنا والعيبُ فينا ** وما لزماننا عيب سوانا
فالقافية عند الخليل في هذا البيت هي قول الشاعر: (وَاْنَاْ) = /5/5 .
وهي باختصار من أول متحرك قبل آخر ساكنين.

صورها:

بناءً على رأي الخليل فإن القافية ليست محددة بعدد من الكلمات.
 فقد تكون القافية بعض كلمة، كقول كعب:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ ** متيم إثرها لم يفد مَكْبُوْل
فالقافية في هذا البيت هي قول الشاعر: (بُوْلُوْ = /5/5) من (مَكْبُوْلُ) وهي جزءٌ من كلمة.
وقد تكون كلمة تامة، كقول المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ** فهي الشهادة ليْ بأنيَ كَاْمِلُ
فالقافية في هذا البيت هي قول الشاعر: (كَاْمِلُوْ = /5//5) وهي كلمة تامة.
وقد تكون القافية كلمة وبعض كلمة، كقول المتنبي:
إن كان سرَّكمُ ما قال حاسدنا ** فما لجرح إذا أرضاكمُ أَلَمُ
فالقافية في هذا البيت هي قول الشاعر: (مُوْ أَلَمُوْ = /5///5) وهي كلمة وجزء من كلمة.
وقد تكون القافية كلمتين، كقول ابن الوردي:
لا تقل أصلي وفصلي أبدًا ** إنما أصل الفتى ما قَدْ حَصَلْ
فالقافية في هذا البيت هي قول الشاعر: (قَدْ حَصَلْ = /5//5) وهما كلمتان.
وقد تكون القافية كلمتين وبعض كلمة، كقول الحميري:
لما رأوا أنَّ يومَهُمْ أشبٌ ** شدُّوا حيازيمهم عَلَىْ أَلَمِهْ
فالقافية في هذا البيت هي قول الشاعر: (لا أَلَمِهْ = /5///5) فـ لا) بعض كلمة، (أَلَمِ) كلمة، (ـهْ) ضمير وهو كلمة.
وقد تكون القافية ثلاث كلمات، كقول أبي العتاهية:
حُلْمُ الفتى مما يُزَيِّنهُ ** وتمام حلية فَضْلِهِ أَدَبُهْ
فالقافية في هذا البيت هي قول الشاعر: (هِيْ أَدَبُهْ = /5///5)، وهي ثلاث كلمات: الضمير (ـهِ) من قوله: (فضله)، وكلمة (أدبُ)، والضمير (ـهْ) من قوله: (أدبُهْ).

فائدة دراسة هذا الفن:

(1)  الوقوف على مواطن حسن الشعر وجودته وكيفية تأليفه.
(2)  يُجَنِّبُ المرءَ العيوبَ المخلة بالشعر فلا يقع فيها من يريد إنشاء قول منظوم.
(3)  لا غنى للناقد عنه؛ حتى يبني أحكامه على أسس صحيحة.

أهمية القافية:

القافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمى الكلام شعرًا حتى يكون له وزن وقافية؛ فهما أساسان في الشعر حسب نظرية عمود الشعر عند المرزوقي. فالقافية تعطي الشعر نغمة موسيقية رائعة، فبقدر ما يكون فيها من حروف ملتزمة بقدر ما يكون لها من إيقاع موسيقي متميز، كما أنها تضبط المعنى وتحدده، وتشد البيت شدا قويا بكيان القصيدة العام ولولاها لكانت محلولة مفككة.

حروف القافية

حروف القافية ستة لابد من وجود بعضها ضمن القافية على تعريفها السابق، ولا يعني ذلك أنه يجب أن تجتمع كلها في قافية واحدة، وما دخل منها أول القصيدة وجب التزامه.
وحروف القافية ستة هي: الرَّوِِيّ، الْوَصْل، الْخُرُوْج، الرِّدْف، الدَّخِيْل، التَّأْسِيْس.
أولا: الرَّوِيّ:
هو الحرف الذي يختاره الشاعر من الحروف الصالحة، فيبني عليه قصيدته، ويلتزمه في جميع أبياتها، وإليه تنسب القصيدة؛ فيقال: قصيدة همزية إن كانت الهمزة هي الرَّوِِيّ كهمزية شوقي، أو لامية إن كانت اللام هي الرَّوِِيّ كلامية العرب ... .
وسمي رويا؛ لأن أصل (رَوَى) في كلام العرب للجمع والاتصال والضمّ، ومنه الرِّوَاء وهو الحبل الذي يشد على الأحمال والمتاع ليضمها، وكذلك حرف الرَّوِِيّ ينضم ويجتمع إليه جميع حروف البيت؛ فلذلك سمي رويا.

حروف الهجاء بالنسبة للروي:

حروف الهجاء بالنسبة للروي ثلاثة أقسام:
(1)  ما يجب أن يكون رويا.
(2)  ما يصلح أن يكون رويا أو وصلا.
(3)  ما لا يصلح أن يكون رويا.

(1) ما يجب أن يكون رويا:

الحروف التي يجب أن تكون رويا إذا وقعت في القافية أربعة هي:
(1)  الهاء إذا سكن ما قبلها سواء أكانت أصلية أم زائدة، مثل:
وتجتنب الأسودُ ورودَ ماءٍ ** إذا كُنَّ الكلابُ وَلَغْنَ فيه
ويرتجع الكريم خميصَ بطنٍ ** ولا يرضى مساهمة السَّفِيْهِ
فالهاء في البيتين هي الروي، وهي في (فيه) زائدة، وفي (السفيه) أصلية، وكلاهما ساكن ما قبله.
(2)  الواو في موضعين:
أ‌-   إذا كانت ساكنة مفتوحا ما قبلها، مثل:
ذهب الكرام بأسرهم ** وبقي لنا لَيْتٌ ولَوْ
ب- إذا سكن ما قبلها وهي أصلية، مثل:
عَرُضَ البحرُ وهو ماءٌ أجاجٌ ** وقليلُ المياهِ تلقاهُ حُلْوَا
(3)  الياء في موضعين:
أ‌-   إذا كانت أصلية متحركة، مثل:
عداتي لهم فضل عليَّ ومنَّةٌ ** فلا أبعد الرحمنُ عني الأعاديا
ب- الياء المشددة، مثل:
لا تَتْبَعَنْ كلَّ دخان ترى ** فالنار قد توقد لِلْكَيِّ
(4)  الكاف إذا كانت أصلية واقعة بعد ساكن، مثل:
هي الدنيا تقول بملءِ فيها ** حذارِ حذارِ من بطشيْ وَفَتْكِيْ

(2) ما يصلح أن يكون رويا أو وصلا:

هناك أحرف تصلح أن تكون وصلا أو رويا بقيود، فالشاعر بين أمرين: إما أن يلتزم حرفا قبلها فيكون هو الروي وتكون هي وصلا، وإما ألا يلتزم حرفا قبلها فتكون هي الروي وفيما يلي تفصيل ذلك:
(1)  الألف المقصورة والزائدة للتأنيث أو الإلحاق:
مثال الألف المقصورة: الجوى، الهوى.
مثال الألف التي للتأنيث: حبلى، فضلى.
مثال الألف التي للإلحاق: علقى، أرطى.
(2)  الواو الأصلية الساكنة المضموم ما قبلها:
مثالها: يعلو، يحلو.
(3)  الياء الأصلية الساكنة المكسور ما قبلها:
مثالها: ينقضي، يرتضي.
(4)  تاء التأنيث ساكنة كانت أم متحركة:
مثال الساكنة: انتهَتْ، اشتَهَتْ.
مثال المتحركة: رؤْيَتِيْ، صبْيَتِيْ.
(5)  الهاء الأصلية المحرك ما قبلها:
مثالها: شَرِهَ، كرِهَ.
(6)  كاف الخطاب إذا تحرك ما قبلها، أو سكن ولم يكن حرف مد:
مثال ما تحرك قبلها: مَعَكْ، أطْلَعَكْ.
مثال ما سكن قبلها: عَنْكِ، مِنْكِ.
(7)  الميم إذا وقعت بعد الكاف أو الهاء:
مثال وقوعها بعد الكاف: مِنْكُمْ، عَنْكُمْ.
مثال وقوعها بعد الهاء: مِنْهُمْ، عَنْهُمْ.
تنبيه:
ما يجوز من هذه الأحرف السبعة أن يكون رويا أو وصلا قد يتعين أن يكون وصلا، وذلك حينما يرد في أبيات القصيدة ما لا يصلح أن يكون رويا، مثل: (كارِها)، و(جِوارِها)؛ فهاءُ (كارِهَا) وإن جاز كونها رويا لكن لما جاء بعدها في بيت آخر ما لا يصلح أن يكون رويا وهو هاء (جوارِهَا) تعينت هي أيضا للوصل، وقد يتعين أن يكون رويا إذا لم يلتزم الحرف الذي قبله في آخر كل بيت من أبيات القصيدة كما في كَلِمَتَيْ: (خلتيْ) و (جمتي)؛ فإن تاء التأنيث وإن جاز كونها وصلا كما تقدم لكن لمَّا لم يلتزم الحرف الذي قبلها تعينت هي للرويّ هنا، وقس على ذلك.
(3) ما لا يصلح أن يكون رويا:
الأول: الألف في ستة أحوال هي:
إذا كانت للإطلاق، مثل:
ونكرم ضيفنا مادام فينا ** ونتبعه الكرامة حيث مالا
إذا كانت ضميرًا للتثنية، مثل:
لا أقول اسكنا في هذه الدا ** ر غرورًا ولا أقول استعدا
إذا كانت بيانا لحركة البناء، مثل:
فقالت: صدقت ولكنَّنِي ** أردتُ أعرِّفها مَنْ أَنَا
إذا كانت لاحقة لضمير الغائبة، مثل:
قف بتلك الرمال وانظرْ سناها ** يتجلَّى الجمالُ فوق رُباها
إذا كانت بدلا من تنوين النصب، مثل:
قم للمعلم وفِّهِ التبجيلا ** كاد المعلم أن يكون رسولا
إذا كانت منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة في حالة الوقف، مثل:
وقولا له: والله ما الماء للصدي ** بأشهى إلينا من لقائِكَ فاعْلَمَا
الثاني: الواو في ثلاثة أحوال:
إذا كانت للإطلاق، مثل الواو من (السلامُوْ) في قول الشاعر:
سلام الله يا مطر عليها ** وليس عليك يا مطر السلامُ
إذا كانت ضمير جمع وقد ضم ما قبلها، مثل:
وليت للناس حظا من وجوههمُ ** تَبِيْنُ أخلاقُهمْ فيه إذا اجتمعُوْا
إذا كانت لاحقة للضمير، مثل:
إذا ترحَّلْتَ عن قوم وقد قدروا ** ألا تفارقَهمْ فالراحلون همُوْ
الثالث: الياء في خمسة أحوال هي:
إذا كانت للإطلاق وتسمى ياء الترنم، مثل الياء من (فارحلِيْ) في قول الشاعر:
حكِّمْ سيوفك في رقاب العذَّلِ ** وإذا نزلتَ بدار ذُلٍّ فارحلِ
إذا كانت ياء ضمير المتكلم (ياء الإضافة)، مثل:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة ** أيا جارتا لو تشعرين بحالِيْ
إذا كانت لاحقة لضمير مكسور، مثل الياء من (تسْتَوْفِيْهِيْ) في قول الشاعر:
أيها الدائب الحريصُ المعنَّى ** لك رزقٌ وسوف تستوفِيْهِ
إذا كانت للمخاطبة، مكسورًا ما قبلها، مثل:
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ** تعاليْ أقاسمكِ الهمومَ تعالِيْ
أن تكون من بنية الكلمة، مثل:
كُفِّيْ دعاباتِ الجنونِ فما بقي ** لهواكِ معنًى يرتجيه ويتَّقِيْ
الرابع: الهاء في أربعة أحوال هي:
أن تكون للسكت، مثل:
لأبكينَّ لفقدانِ الشبابِ وقدْ ** نادى المشيبُ عن الدنيا بِرِحْلَتِيَهْ
هاء الضمير الغائب الساكنة المحرك ما قبلها، مثل:
اِرضَ من الله يوما ما أتاك ** مَنْ يرضَ يوما بعيشهِ نفَعَهْ
هاء الضمير المتحركة، مثل:
ضعفتْ فحجتُها البكاءُ لخصمِها ** وسلاحُها عندَ الدفاعِ دموعُهَا
الهاء المنقلبة عن تاء التأنيث، مثل:
إنما الدنيا هباتٌ ** وعوارٍ مُسْتَرَدَّهْ
الخامس: النون إذا كانت عوضا عن التنوين الذي يلحق القوافي المطلقة بدلا من حرف الإطلاق، مثل:
أقلِّي اللوم – عاذل- والعتابا ** وقولي – إن أصبتُ - لقد أصابنْ
ثانيا: الْوَصْل:
سمي الْوَصْل بهذا الاسم لوصله بالرَّوِِيّ ومجيئه بعده مباشرة، وحروف الْوَصْل هي الألف والواو والياء، سواء أكانت هذه الأحرف للإشباع أو لغيره مما سبق ذكره مما لا يصلح أن يكون رويا، أو هاء متحركة أو ساكنة تلي الرَّوِِيّ مما لا يصلح أن يكون رويا:
مثال الألف قول الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني ** ولكن تؤخذ الدنيا غلابَا
ومثال الياء (شمسِيْ) من قول الشاعر:
يذكرني طلوعُ الشمسِ صخرًا ** وأذكرُه لكلِّ طلوعِ شمسِ
ومثال الواو (الْمَكَاْرِمُوْ) من قول الشاعر:
على قدر أهل العزم تأتيْ العزائمُ ** وتأتيْ على قدر الكرامِ المكَاْرِمُ
ومثال الهاء الساكنة قول الشاعر:
ولو لم يكنْ في كفه غيرُ روحِه ** لجادَ بها فليتقِ اللهَ سائِلُهْ
ومثال الهاء المتحركة قول الشاعر:
إذا كنتَ في حاجةٍ مرسلا ** فأرسلْ حكيمًا ولا توصِهِ
ثالثا: الْخُرُوْج:
سمي بهذا الاسم لخروجه وتجاوزه الْوَصْل التابع للروي، فهو موضع الْخُرُوْج من بيت القصيدة حيث لا يأتي بعده حرف، والْخُرُوْج يكون بالألف أو بالواو أو بالياء يتبعنَ هاء الْوَصْل.
مثال الألف قول الشاعر:
يمشي الفقير وكل شيء ضده ** والناس تغلق خلفه أبوابَهَا
ومثال الياء (مالِهِيْ) من قول الشاعر:
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً ** من جاهِهِ فكأنها مِنْ مالِهِ
ومثال الواو (يَنْفَعُهُوْ) من قول الشاعر:
جاوزتِ في لومه حدًّا أَضَرَّ بهِِ ** من حيثُ قدرتِ أنَّ اللومَ يَنْفَعُهُ
ملاحظة:
إذا كان قبل الهاء حرف مد فإن الهاء في هذه الحالة تكون رويا، وما قبلها ردف وما بعدها وصل:
مثال ذلك:
سأتركُ ماءَكم من غير وردٍ ** وذاكَ لكثرةِ الوُرَّادِ فِيْهِ
وينشأ ناشئُ الفتيانِ منا ** على ما كان عوَّدَهُ أَبُوْهُ
حتى متى أنت في لهوٍ وفي لعبٍ ** والموتُ نحوَك يهوي فاغرًا فَاْهُ
فكل من الياء الثانية في (فِيْهِيْ)، والواو الثانية في (أَبُوْهُوْ)، والواو في (فَاْهُوْ) وصل.
رابعًا: الرِّدْف:
وهو مأخوذ من ردف الراكب؛ لأن الرَّوِِيّ أصل فهو الراكب وهذا كردفه، والردف هو ما يقع قبل الروي مباشرة من غير فاصل، ويكون من حروف المد الثلاثة، وحروف اللين وهي الواو والياء الساكنتان بعد حركة غير مجانسة لهما، والألف تعتبر أصلا.
ويجوز في الياء والواو أن يتعاقبا في القصيدة الواحدة، ويجوز أن يكون الرِّدْف والرَّوِِيّ من كلمة واحدة أو كلمتين، ولا تعتبر الياء أو الواو المحركتين أو المشددتين ردفاً:
مثال للردف بالألف:
كأن قطاةً عُلقتْ بجناحها ** على كبديْ من شدةِ الخفَقَانِ
مثال للردف بالواو:
تأنَّ ولا تعجل بلومكَ صاحبًا ** لعل له عذرًا وأنت تلومُ
مثال للردف بالياء:
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه ** عارٌ عليك إذا فعلت عظيْمُ
مثال المعاقبة بين الواو والياء إذا كانا مدين:
كمْ عالمٍ عالمٍ أعيتْ مذاهِبُه ** وجاهلٍ جاهلٍ تلقاهُ مَرْزُوْقَا
هذا الذي جعل الأفهامَ حائرةً ** وصيَّر العالم النحريرَ زِنْدِيْقَا
مثال للمعاقبة بين الواو والياء إذا كانا حرفي لين:
يا أيها الخارجُ من بيتهِ ** وهاربًًًا من شدةِ الخَوْفِ
ضيفُكَ قدْ جاءَ بزادٍ لهُ ** فارجعْ وكنْ ضيفاً على الضَّيْفِ
خامسًا: التَّأْسِيْس:
والتَّأْسِيْس لا يكون إلا بالألف قبل حرف الرَّوِِيّ بحرف واحد، فالتَّأْسِيْس إذًا حرفُ ألفٍ بينها وبين حرف الرَّوِِيّ حرف واحد صحيح، وهذا الحرف الصحيح الذي يفصل بين ألف التَّأْسِيْس وحرف الرَّوِِيّ يسمى (الدَّخِيْل) وهما متلازمان فسميت الألف تأسيسا لأنه يُحَافَظُ عليها في قافية القصيدة كأنها أسٌّ للقافية، وقيل: لأنها تقدمت على جميع حروف القافية. ويجوز أن تكون ألف التَّأْسِيْس والدَّخِيْل في كلمة واحدة أو كلمتين، مثال ألف التَّأْسِيْس:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتيْ العزائمُ ** وتأتيْ على قدرِ الكرامِ المكارمُ
وتعظمُ في عين الصغيرِ صغارُها ** وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ
سادسًا: الدَّخِيْل:
وهو حرف متحرك يقع بين ألف التَّأْسِيْس والرَّوِِيّ، وسمي دخيلا لأنه دخيل في القافية؛ وذلك لوقوعه بين حرفين – الرَّوِِيّ والتَّأْسِيْس – خاضعين لمجموعة من الشروط في حين لا يخضع هو لشروط مماثلة فشابه الدَّخِيْل في القوم. والدَّخِيْل حرف لا يلتزم بذاته وإنما يلتزم بنظيره وهو واقع بين حرفين ملتزمين من حروف القافية، فإذا التزمه الشاعر فهو لزوم ما لا يلزم كما فعل أبو العلاء المعري، ومثال الدَّخِيْل قول الشاعر:
إذا كنتَ في كلِّ الأمور معاتبًا ** صديقَك لم تلقَ الذي لا تعَاْتِبُهْ
فعشْ واحدًا أَوْ صلْ أخاك فإنهُ ** مقارفُ ذنبٍ تارةً ومُجَاْنِبُهْ
إذا أنت لم تشربْ مرارًا على القَذَى ** ظمئتَ وأيُّ الناسِ تصْفُوْ مَشَاْرِبُهْ
وأنت تلاحظ أن الدَّخِيْل جاء في البيت الأول (تاء)، وفي الثاني (نونا)، وفي الثالث (راء).
نتائج تتعلق بحروف القافية:
(1)   لابد لكل قافية من روي.
(2)   لابد لكل قافية مطلقة من صلة؛ لأن الصلة تترتب على إشباع القافية المطلقة.
(3)   لابد لهاءِ الصلة المتحركة من خروج، لأن الْخُرُوْج يترتب على إشباع هاء الصلة المتحركة.
(4)   لا تجتمع هاء الصلة الساكنة والْخُرُوْج.
(5)   لا تجتمع القافية المقيدة وحرف الصلة.
(6)   لا يجتمع التَّأْسِيْس والرِّدْف.
(7)   لا يجتمع الدَّخِيْل والرِّدْف.
(8)   لا يفترق التَّأْسِيْس والدَّخِيْل.




عيوب القافية:


عرفنا فيما سبق أن أقل ما يلتزم به الشاعر في القوافي هو حرف الروي، وإذا بدأ الشاعر قصيدته بألف التأسيس وجب عليه أن يلتزم هذه الألف في جميع أبيات القصيدة، وكذلك الردف إذا بدأه بالألف وجب عليه أن يلتزمه، ولا يجوز له أن يعاقب بينها وبين الواو أو الياء، وإنما المعاقبة تجوز بين الواو والياء في القصيدة الواحدة، فإذا أخل الشاعر بما هو واجب الالتزام في القافية فإنه قد يُلحِقُ بشعره عيبا من عيوب القافية.
أقسام العيوب:
العيوب التي تتعلق بالقافية قسمان:
قسم أجازه النقاد في شعر المولدين (المتأخرين)، ولكن يحسن الاحتراز منه، وقسم منعوه في شعر المولدين (المتأخرين) منعا باتا، وإذا جاء يعتبر عيبا مشينا، وما جاء منه في شعر الأقدمين فهو زلات لا يصلح للمتأخرين تقليدهم .
والمُوَلَّد: هو ما يعود زمانه إلى ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري، أي إلى ما بعد عصر الاحتجاج بالنسبة إلى عرب الأمصار، وإلى أواخر القرن الرابع الهجري بالنسبة إلى عرب البواديوأول المولدين بشار بن برد.
أولا: العيوب المغتفرة للمُوَلَّدِيْن:
(1) الإِيطاء: هو أن تتكرر كلمة الروي بلفظها ومعناها في قصيدة واحدة من غير فاصل يعتدُّ به كسبعة أبيات، وهو مأخوذ من (المواطاة) التي تعني الموافقة، مثل:
لقد هتفتْ في جنح ليل حمامةٌ ** على فننٍ وَهْنًا وإني لنائمُ
أأزعمُ أني هائمٌ ذو صبابة ** لسعدى ولا أبكي وتبكي الحمائمُ
كَذِبْتُ وبيتِ اللهِ لو كنتُ عاشقا ** لما سبقتني بالبكاءِ الحمائمُ
أما إذا اتفقت الكلمتان لفظا واختلفتا معنًى فإن ذلك يعد من ضروب الإبداع والتزيين، وهو دليل الإحاطة العلمية ورسوخ قدم القائل في اللغة، ولا يتسنى لكل أحد أن يأتي بمثل هذا، مثال ذلك:
ماذا نؤمل من زمانٍ لم يزلْ ** هوَ راغبا في خاملٍ عن نَابِهِ
نلقاه ضاحكةً إليه وجوهُنا ** وتراه جهمًا كاشرًا عن نَابِهِ
فـ(نابه) الأولى ذو نباهة، والنباهة ضد الخمول، و(نابه) الثانية بمعنى السِّن.
(2) التَّضْمِين:
وهو تعلق قافية البيت بصدر البيت الذي يليه وهو نوعان:
أ- قبيح: وذلك إذا كان مما لا يتم الكلام إلا به، كالفاعل، والصلة وجواب الشرط، وخبر المبتدأ والنواسخ، مثل:
وهمْ وردوا الجِفارَ على تميمٍ ** وهمْ أصحابُ يومِ عكاظَ إنِّيْ
شهِدتُ لهم مواطنَ صادقاتٍ ** شهدنَ لهمْ بحسنِ الظنِّ مِنِّيْ
فقوله: (شهدتُ) خبر (إن) في البيت السابق.
ب- مقبول: إذا كان الكلام يتم بدونه كالتوابع، وما أشبهها من الفضلات، مثل:
وتعرفُ فيهِ منْ أبيهِ شمائلا ** ومن خاله ومن يزيدَ ومن جُحُرْ
سماحةَ ذا ، وبِرَّ ذا ووفاءَ ذا ** ونائلَ ذا إذا صحا وإذا سَكِرْ
فـ(سماحةَ) وما بعده بدل اشتمال من قوله (شَمائِلا).
(3) السِّناد:
وهو اختلاف ما يراعى قبل الروي من الحروف والحركات، وهو خمسة: اثنان باعتبار الحروف، وثلاثة باعتبار الحركات:
أ- سناد الردف: وهو جعل بعض الأبيات مردوفة، وبعضها غير مردوف، مثل:
إِذا كُنتَ في حاجةٍ مُرسلا ** فأرسلْ حكيما ولا تُوْصِهِ
وإِنْ بابُ أمرٍ عليك التوى ** فشاورْ حكيمًا ولا تعْصِهِ
فالبيت الأول مردوف والثاني غير مردوف.
ب- سناد التأسيس: وهو جعل بعض الأبيات مؤسسة، وبعضها غير مؤسس، مثل:
الرأيُ رأيُ أميرِ المؤمنينَ إذا ** حارتْ رجالٌ وضلتْ في مَرَائِيْهَا
أسدى إليَّ أميرُ المؤمنين يدًا ** جلَّتْ كما جل في الأملاك مُسْدِيْهَا
بيضاءَ ما شابها للأبرياء دمٌ ** ولا تَكَدَّر بالآثام صافِيْهَا
فالبيت الأول والثالث فيهما ألف تأسيس، والبيت الثاني غير مؤسس.
ج- سناد الإشباع: وهو تغيير حركة الدخيل في القافية المطلقة والمقيدة، مثل:
وهلْ يتكافا الناس شتى خلالهم ** وما تتكافا في اليدين الأَصَابِعُ
يُبجَّلُ إجلالا ويُكْبَرُ هيبةً ** أصيلُ الحجى فيه تُقًى وَتَوَاضُعُ
ففي البيت الأول حركة الدخيل وهو الباء كسرة، وفي البيت الثاني حركة الدخيل وهو الضاد ضمة.
د- سناد الحذو: وهو اختلاف حركة ما قبل الردف، مثل:
السِّحْرُ من سود العيون لَقِيْتُهُ ** والبابِلِيُّ بلحْظِهِنَّ سُقِيْتُهُ
الناعساتُ الموقظاتُ من الهوى ** المُغْرِياتُ بهِ وكُنْتُ سَلَيْتُهُ
فحركة القاف في البيت الأول، وحركة اللام في البيت الثاني تسمى حذوا، وكان ينبغي أن تتحد حركة ما قبل اليائين، لكنها جاءت في البيت الأول كسرة وفي البيت الثاني فتحة.
هـ- سناد التوجيه: وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المقيد (الساكن)، مثل:
إنَّ (لا) بعد (نعم) فاحشةٌ ** فبـ(لا) فابدأْ إذا خِفْتَ النَّدَمْ
لا تراني راتعا في مجلسٍ ** في لحوم الناس كالسَّبْعِ الضَّرِمْ
فحرف الروي الميم الساكنة، وقد جاء توجيه القافية الأولى فتحة، وتوجيه الثانية كسرة.
هذه العيوب المتقدمة قد اغتفر للمولدين (المتأخرين) ارتكابهُا لوقوعها كثيرا في شعر المتقدمين إلا التضمين القبيح، فهو عيب غير مغتفر ويجب الاحتراس منه.
ثانيا: العيوب التي لا تغتفر للمولدين:
(1) الإقواء:
هو اختلاف حركة الروي بالضم والكسر أي اختلاف حركة المجرى في القصيدة الواحدة، وهو مأخوذ من قول العرب: (أقوى الفاتلُ حبلَه) إذا خالف بين قواه فجعل إحداهن قوية والأخرى ضعيفة، ومثاله:
أَمِنْ آل ميةَ رائحٌ أو مُغْتَدِيْ ** عجلانَ ذا زادٍ وغيرَ مُزَوَّدِ
زعم البوارِحُ أنَّ رحلتَنا غدًا ** وبذاكَ خبَّرنا الغُرَابُ الأَسْوَدُ
لا مرحبًـا ولا أهـلا بـهِ ** إنْ كان تفريقُ الأحِبَّةِ في غدِ
فقد جاء الرويّ (الدال) في البيت الأول والثالث مكسورًا، وفي البيت الثاني مضموما .
(2) الإِصْراف:
وهو الانتقال بحركة الروي (المجرى) من الفتح إلى غيره، أو من غير الفتح إلى الفتح، وهو مأخوذ من قولهم: صرفت الشيءَ أي أبعدته عن طريقه، كأن الشاعر صرف الروي عن طريقه الذي كان يستحقه من مماثلة حركته لحركة الروي الأول، مثل:
ألم ترني رددتُ على ابن ليلى ** منيحتَهُ فعجَّلْتُ الأدَاءَ
وقلتُ لشاتهِ لما أتتنا ** رماكِ اللهُ من شاةٍ بداءِ
فقد جاء الرويّ (الهمزة) في البيت الأول مفتوحا، وفي البيت الثاني مكسورًا.
(3) الإِكْفاء:
وهو اختلاف الروي بحروف ذات مخرج واحد أو متقاربة المخرج في قصيدة واحدة ، وهو مأخوذ من قولهم: فلان كفء فلان، أي مماثل له؛ لأن أحد الطرفين مماثل للآخر، أي مقارب له في المخرج، مثل قول الراجز:
إِذَا نزلتُ فاجعلانيْ وَسَطَا
إنيَ شيخٌ لا أطيقُ العُنَّدَا
البيت الأول رويه الطاء، والثاني الدال، وهما من مخرج واحد، وهو طرف اللسان وأصول الثنايا.
(4) الإِجازَة (الإِجارَة):
وهو اختلاف الروي بحروف متباعدة المخارج في قصيدة واحدة، وسمي بذلك لتجاوزه الحدود المرسومة وتعديها، مثل:
خليليَّ سِيرا واتركا الرحلَ إنني ** بِمَهْلَكَةٍ والعاقباتُ تَدُوْرُ
فبيناه يشري رحلَهُ قال قائلٌ ** لِمَنْ جملٌ رِخْوُ الملاطِ نَجِيْبُ؟
























هناك تعليق واحد:

  1. السلام عليكم.
    أرجو ملاحظة المثال الذي قدمتموه في عيب سناد التأسيس، جاء القوافي هكذا ( مرائيها / مسديها / صافيها)
    القافية هنا ليست مؤسسة بأي حال من الأحوال، لأن الروي فيها هو الهاء، والهاء هنا جاء ماقبلها ساكن فتعتبر هي الروي وإن كانت ضميرا.
    وعلى هذا الاعتبار تكون هذه الأبيات مردفة بالياء وليست مؤسسة

    ردحذف